الإستقلال الثاني: إعادة ضبط المصنع ١-٢

0 54
كتب: محمد فارق سليمان 
.
كنت اتمنى ان نرى موقفا خلاف هذا الذي سطرته “السذاجة السياسية”، على خطاب البرهان من قبل قحت ١، فقد كان اولى بها ان تضع هذا الخطاب جانبا الآن، فهي غير مستعدة له بعد، تماما كما لم تكن مستعدة للتعاطي مع خطاب قائد الجيش بن عوف في يوم ١١ ابريل ٢٠١٩ والجماهير معتصمة عند القيادة! فاضاعت نصرها القريب!!
وقد كان اولى بها السماع لرجاء سمل* المهذب في ندائه للاحزاب السياسية بأن تتفق ولو لمرة واحدة في حياتها على اعلان مباديء تأسيسي كإطار دستوري وقانوني من خلال اوسع مشاركة سياسية ممكنة للحركة المدنية وحركة الكفاح المسلح، ومن خلال حوار سوداني سوداني كما ظل يدعو له الرفيق والصديق عبد الواحد محمد نور، لنتفق على كيف يحكم السودان؟ قبل ان نقفز لمن يحكمه!
فخطاب البرهان لو اخذناه كمحاولة لإرباك المشهد، بإرباك الحركة السياسية المدنية، فالحركة المدنية الديمقراطية مرتبكة أساساً لغياب هذا الواجب الذي تقوّم به مؤسسيتها، وتقوم عليه مدنيتها: واجب التوافق على اعلان المباديء التأسيسية الدستوري هذا، وان حسبنا خطابه كمخرج، فهو مخرج لقحت وخطاياها وجب ان تشكره عليه، وليس مخرج للبرهان و “زمرته”، باية حال، وبعد ذلك فالتتعاطى مع خطاب البرهان، كما تشاء الحركة المدنية التي تحكمها مرجعية مؤسسية وإطار دستوري، لا مزاج اشخاصها مدنيو الزّي وطموحهم!
فالمخرج من “فضولية” الجيش على السياسة، ومخاطبة “وضعية” قوات الدعم السريع، ومستقبل اصلاح القوات النظامية ودمج جيوش الحركات المسلحة، مرجعيته المباديء الدستورية، والفوق دستورية وأحكام القانون، وليس حكم السلطة المدنية التنفيذية والتشريعية والقضائية بشكل مستقل عن سيادة حكم القانون. والذي يضع وفق مبدأ إستقلال هذه السلطات الثلاث أساس سياسات الأمن والدفاع وإستراتيجيات الأمن القومي، وبالمشاركة المهنية للمؤسسات النظامية الأمنية التي تضطلع بتنفيذها.
والمخرج للبرهان وغيره، طريقه واحد: تحقيق العدالة، ووفق شروط التغيير الحاضر، وإرث مؤسسات الدولة التاريخي وولوغها في العنف الممنهج لاجهزة الدولة، ومنذ قبل تاريخ الاستقلال الاول الرسمي!، وطبيعة القوانين التي اسست لهذه الانتهاكات ولثقافة الافلات من العقاب، يقتضي تحقيق العدالة تأسيس العدالة أولاً، ومن ثم اتباع تدابير العدالة الانتقالية بحق منسوبي جهاز الدولة، والتي قد تتيح المصالحة والعفو بناءًا على ضمان كشف الحقيقة الكامل، واصلاح مؤسسات العدالة والقوات النظامية والقوانين،وإزالة الغبن وجبر الضرر، بما يحقق إنصاف الضحايا وذويهم، ويضمن عدم تكرار الانتهاكات. وهي شروط تتطلب استعادة الانتقال السياسي أولا، لإيجاد الرغبة والإرادة وضمان القدرة على إنفاذ القانون وإقامة دولته.
البرهان لم يلقي خطابه، على بركة ساكنة، ولكن في ظل واقع صمود طويل لحراك الجماهير، وصعود هذا الحراك رغم التضحيات. وهو واقع لم ينكره هو نفسه، وخطابه نفسه لا يتعدى التفاعل مع حركة الجماهير، والاستجابة غير الكافية حتى الان لمطالبها. ولكن الفرصة فيه من خطل حراكنا المدني، قد تنقله لموقع الفعل من خانة رد الفعل، على نحو اهتمام الحركة السياسية الحالي به؛ سواء بالقبول المطلق او الرفض المطلق، دون الانتباه لواجباتها كما اسلفت، وكما دعاها نداء التاريخ لارض السودان الصديق الصادق سمل للانتقال من الاختلاف حول السلطة، للاضطلاع بواجبات التأسيس!
فالنزاع حول السلطة سينتهي بمشاركة السلطة، على نحو ما تم من شراكة قبرت، حتى لو تغيرو شخوصها، من العساكر والمدنيين، (ولو صارت الى صغار الضباط ولجان المقاومة)، وفق توازن ميزان القوى. او حتى الانفراد بها، في حال ترجيح هذا الميزان لصالح أي من أطراف الصراع، وهي اطراف عدة ستتنازع ما تبقى من السودان في دورة اخيرة للدائرة “المفزعة” هذه المرة، وليست المفرغة، بعد انتهاء شروط الدولة القديمة؛ فوفق هكذا سيناريو؛ لا يمكن ان يكون قبول الغلبة فيه مختلف عن انقسام السودان في ٢٠١٠، الا بشكل أسوأ، كما لا يمكننا تخيل أن يتم تحاشي هذا حتى من خلال سيناريو ديكتاتورية قابضة (وإن غامرت بإستجداء بقايا من إسلاميي “الغصة” والمقامرة بالهوس الديني من جديد)، فهي لم تعد في طاقة جيوش متعددة على نحو واقعنا، او صمود اجيال باسلة متجددة، ووفق عالم انتهت فيه نظرية القبضة الحديدية وفق عناصر وعوامل متعددة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.